مابين الحب والصداقة... صخر العزة
ما بين الحب والصداقة
الصداقة شعور جميل يعيشه الإنسان وهي عنصر أساسي في حياته ومكمل لسعادته ، والصداقة هي دليل إخاءٍ ومودة وهي شعور بالإتفاق وبالعاطفة الإيجابية ما بين شخصين أو أكثر ، وتكون منزهة عن الأمور الآنية بل تقوم العلاقة على الإستفادة المعنوية المتبادلة والتعاطف والمشاركة الوجدانية .
أعود للكتابة عن موضوع الصداقه ، وما أود طرحه هو موضوع الصداقة بين المرأة والرجل ، وبالعودة للآية الكريمة التي تدعو الناس الى التعارف فيما بينهم ، لم يخص الله فيها الرجل دون المرأة بل قال عز وجل : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، إن الله عليم خبير ) ففيها دعا للتعارف ولم يحصرها بالرجل ولكن هذا التعارف مشروط بالتقوى ، أي أن يكون الإنسان عارفاً لحدود الله وأن يكون ذا أخلاق حميدة يترفع فيها عن الموبقات والمحرمات ، ولا يوجد نص ديني يمنع الصداقة بين الرجل والمرأة ، ورسولنا الكريم كان يلتقي الرجال والنساء في المسجد وكانت المرأة المسلمة تشارك الرجل في كل أمور حياته ، فمنهن من شاركن في الجهاد وفي التعليم ، وكُنَّ جنبا إلى جنب مع الرجل ولكن الذي حض رسولنا على تجنبه هي الخلوة التي قد تُفضي إلى أمور أخرى وخاصة لضعاف النفوس ، ويؤكد على عدم تحريم لقاء الرجل مع المرأة الشيخ يوسف القرضاوي إذ قال : ( اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته ليس محرماً بل هو جائز ومطلوب ، إذا كان القصد منه المشاركة في هدف نبيل من علمٍ نافع أو عملٍ صالح ، أو مشروع خير ، أو جهاد لازم أو غير ذلك ما يتطلب جهوداً متضافرة من الجنسين ويتطلب تعاونا ً مشتركاً بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ ).
فمع تطور الحياة وتوسعها فقد أصبح للمرأة دوراً فاعلاً في المجتمعات فكان لا بد لها من دورٍ في ذلك وانخراطها في العمل وأن تلتقي مع الرجال وتشاركهم في أمور الحياة ، ومنها تتكون الصداقات والمرأة تفضل أن يكون لها صديقاً من الرجال لأنه قد يصعب في بعض الأحيان أن تحصل المرأة على صديقة وفية لها وذلك بسبب الغيرة التي تنشأ بين النساء في حين تجد المرأة أن صديقاً رجلاً يكون وفياً سنداً لها وعوناً لها في معترك الحياة وتكون علاقتهما مبنية على المودة والإحترام والإخلاص ، فيتعايش مع صديقته وكأنه مع أسرته في البيت ومع أخواته وهذه العلاقة لا تكون وليدة لحظتها ولكن تكون على مدى طويل من العلاقة مع بعض في مجال العمل أو الدراسة او ما شابه ذلك ، والصديق الحقيقي هو الذي يريد الخير للآخر بغض النظر عن جنسه ، فالصداقة هي تفاعل روحي لا يرى الرجل المرأة كأنثى فقط وإنما كإنسانة والعكس صحيح ولا وجود لمشاريع الحب والرغبات بينهما بل هو نوع من التسامي عن كل ما هو غرائزي ، وهذا لا يتم إلا بوجود نضج عقلي وفكري يجمع بين الطرفين وبذلك لا تتخطى علاقة الرجل بالمرأة أطُر الصداقات الحقيقية فيتشاطران تجاربهما اليومية والحياتية من دون الشعور بالحب والرغبة بامتلاك الآخر ، ويكون هذا الرجل الذي تميل الى صداقته حيث تطمئن لصحبته ويكون مستودعاً لأسرارها والرفيق الذي يستمع لشكواها ويكون إلى جانبها في السراء والضراء ، ولكن ليس بالضرورة هو الشخص الذي ستقضي بقية حياتها بصحبته برابط الحب والزواج فما هو هذا إلا الصداقة المنزهة عن كل مصالح آنية أو غيرها ، ولكن هذه الصداقة تواجه بتحديات ومعوقات هي العادت والتقاليد التي تعتبر أن أي علاقة بين أي رجل أو إمرأة ما هي إلا علاقة تُفضي في النهاية إلى علاقة جنسية ، ولكن الصداقة الحقيقية ينبغي أن يكون كلا الطرفين على قدم المساواة في اتخاذ القرارات المشتركة وحرية الرأي في تبادل وجهات النظر ، وخاصة عندما تكون الصداقة مقرونة بالعمل مع الرجل وعلى أمد طويل وهنا يتطلب ضرورة التفاهم والتواصل والتعايش في مجتمع حديث ، على أن يعرف كلا الطرفين كيف يلتزمان بقوانين هذه الصداقة ، وأن لا يحاولا شد الخيط الرفيع الذي يفصل الصداقه عن الحب ، لأنه في أغلب الأحيان تكون الصداقة بين الرجل والمرأة هي عبارة عن مرحلة إنتقالية من مرحلة الصداقة إلى مرحلة الحب ، وقد تكون نهايتها الرباط المقدس الزواج ، ولله دُر شاعرنا نزار قباني إذ قال في ذلك :
كن صديقي كن صديقي
كم جميلٌ لو بقينا أصدقاء
إنّ كلّ امرأة تحتاج أحياناً إلى كفّ صديق
وكلامٌ طيب تسمعه
وإلى خيمة دفء صنعت من كلمات
لا إلى عاصفة من قبلات
فلماذا يا صديقي لست تهتمّ بأشيائي الصّغيرة !؟
ولماذا لست تهتم بما يرضي النّساء؟
كن صديقي كن صديقي
لذا تبقى الصداقة أساساً لعلاقة الإنسان تجاه أخيه الإنسان ، سواء كان رجلاً أو إمرأة ، وهي من أجمل العلاقات التي تميزه عن سائر الكائنات الأخرى وأقواها
صخر محمد حسين العزه
عمان – الأردن
12/11/2021
تعليقات
إرسال تعليق