قطار العمر... صخر العزة

 قِــطــار الــعُــمــر

عاش سعيد وهناء حياةً سعيدة وتزوجا بعد قصةِ حُبٍّ حميمة أثناء دراستهما الجامعية ، وكان سعيد ميسور الحال ، ويملُك شركة نفط ورثها عن والده ، وكان نِعمَ الإبن ، رزق سعيد وهناء بطفلٍ وحيد أسمياهُ عاصم ، وكان والدهُ لا يبخل عليه بشئ ويُغدِق عليه الأموال بسخاء ، ولكن بدون رقيبٍ ولا حسيب ، كان لسعيد صديقٌ لهُ إسمهُ مُرشد وهو صديقُ عمُره ، وظفهُ عندهُ كمديرٍ مالي ، لأنه أمين وكان سعيد يستشيرهُ بكل شئ.

يجلسُ سعيد وزوجته هناء ، ويقول لها : حبيبتي هناء لا تضغطي على عاصم وأعطهِ ما يطلُب من مال ، نحنُ والحمدلله لا ينقُصنا شئ 

هناء : لكن يا سعيد كُثرة المال والمصاريف ستُفسده ويجب أن نعوده الإعتماد على نفسه ، ونحنُ تعبنا حتى وصلنا إلى ما نحنُ عليه ، وبجهودك للحفاظِ على الشركة ، يجبُ أن يعتمد على نفسه ، وكيف يحافظَ على ماله ، ويحافظ على إسمك وعلى الشركة 

سعيد : لا عليكِ هو لا يزال في ريعان الشباب ، أُتركيه ينبسط بحياته الآن ، سأخرج الآن إلى الكوفي شوب ، أُريد أن أُقابلَ مُرشد ، طلب رؤيتي لأمر ما 

يلتقي سعيد مع صديقه مُرشد في الكوفي شوب 

مُرشد : مرحباً أخي سعيد ، الحمدلله حققت شركتنا هذا العام أرباحاً عالية بعد أن كسبنا عقود نفط كُنا متقدمين لها

سعيد: الحمد لله هذا بفضل جهودك أخي مُرشد ، ولكن بماذا كُنت تريد أن تُحدثني ؟ 

مُرشد : أُريد ان أُناقشك بموضوع إبنك عاصم ، وما أقوله هو لمصلحته ومن أجلك أيضاً

سعيد : خيراً ماذا ؟ هل حصل منهُ شئ ؟ 

مُرشد : يا أخي إبنك مُستهتر ، دائماً يأتي ويطلُب نقود ، وأنا لا أُعطيه إلا بعد موافقتك ، لكنه يأتي دائماً بسيارته ومعه مجموعة من الشباب المعروفين للجميع بأخلاقهم السيئة ، وما أخبرتك بذلك إلا لحرصي عليه ، حتى لا تسوء الأمور كثيراً ، فنندم ولاتَ حينَ مندم 

سعيد : بعد أن يحتسي شيئاً من القهوة وينفثُ بسيجاره يقول لصديقه : لا عليك أعطهِ ما يشاء ، هو إنسان واعٍ وأنا أتابعه دائماً 

مُرشد : تذكر كلامي يا سعيد أنا نصحتُك وما عليَّ إلا البلاغ 

بعد مرور سنين يمرضُ سعيد وأصبح لا يستطيع متابعة أعمال الشركة كالسابق ، نادى سعيد على إبنه عاصم : يا ولدي كما تراني الآن أنا مريض جداً ، ولا أستطيع متابعة أعمال الشركة كالسابق ، فأنا سأسلمُك كُلَّ شئ ولا تتخلى عن عمْكَ مُرشد ، إجعلهُ ساعدك الأيمن ، الشركة أمانة بعُنُقِك يا عاصم فحافظ عليها ، ولا تنسَ حقَّ أُمك عليك ، وعليكَ رِعايتها أنت وزوجتك 

عاصم : لا تخف يا ابي سأكون كما أردت ، ولكن أكتب لي تنازلاً عن كُلِّ شئ حتى أستطيع التصرُف كاملاً بها

يستلم عاصم أمور الشركة ، وكان أول قراراته إنهاء خدمات صديق والده مُرشِد ، بُحجة أن عُمره كبير وهو بحاجة إلى شاب قوي وكفؤ لُيدير معه أعمال الشركة ، ويُعين بدلاً منه زوجته كمدير مالي للشركة 

تبدأ الشركة بالتراجع ، وهو يمضي مُعظم أوقاته بالسفر والليالي الحمراء مع رفاق السوء 

يذهب عاصم إلى والده ووالدته ويقول له : يا والدي أنت ووالدتي بحاجة إلى رعاية أكبر ووجودك عندي لا يُفيدك ، سأدخلك أنت ووالدتي دار المسنين لتكون تحت رعايتهم 

سعيد : ينظر إلى ولده وعيونه ممتلؤة بالدموع ويقول له : ليتني كُنت أستمع إلى كلام والدتك ونصائح عمك مُرشد 

عاصم : ماذا ؟ هل يجب أن تُسمعني هذا الموشح ؟ مُرشد... أُمي...مُرشد....أُمي ؟؟؟!!!

ينقُل عاصم والده ووالدته إلى دار المسنين ، ولا يعود يتواصل معهما أو يزورهما إلا نادراً

بعد عدة سنين يخسر عاصم الشركة وتباع بالمزاد العلني لصالح أحد البنوك ، ويجلس عاصم وحيداً بعد أن تركته زوجته وقرر أن يذهب إلى دار إيواء المُسنين ليزور والديه ليطلُب الصفح والعفو منهما ، فيركب سيارة أُجرة هو وإبنه الصغير ، ويسألهُ إبنه بعفوية إلى أين نحنُ ذاهبون يا أبي ؟ يُجيبُه أنه ذاهب إلى دار إيواء المسنين لزيارة جدك وجدتك ، فيقول له إبنه : يا والدي عندما أكبُر سأرسلك مثلهم إلى هذه الدار ، فنزلت كلمات إبنه عليه كالصاعقة 

يصلُ إلى دار المسنين ، ويستفسر من موظفة الإستقبال عنهم ، فتقول له تفضل عند مدير الدار ، يستقبله مُدير الدار مُتجهماً ويقول لهُ : أنت تُريد أن ترى النزيل سعيد هاشم العالم وزوجته هناء 

يُجيب عاصم بلهفة : نعم.... نعم أرجوك هما أبي ووالدتي.

ينظر إليه المُدير طويلاً ويقول لهُ : لقد تاخرتَ كثيراً ، وكانوا دائماً يسألون عنك 

عاصم : نعم وها أنا قد أتيت أين هم ؟ أُريد أن أراهم وأن آخذهم معي 

مُدير الدار : يصمت طويلاً ويقول لهُ لقد فات الأوان ومضى قطار العُمر وتوقفت عرباته عن المسير في آخر محطة ، والداك توفاهما الله 

يسقُط عاصم مغشياً عليه ، ويحاول أحد الأطباء أن يُعالجه ويعمل لهُ تنفُسا صناعياً ، ولكن تكون إرادة الله قد سبقت 

قال تعالى : ( وقضى ربُكَ ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ، إما يبلُغنَّ عِندكَ الكِبرَ أحدهما أو كلاهما ، فلا تقُل لهما أُفٍ ولا تنهرهما وقُل لهما قولاً كريما )

صخر محمد حسين العزه

عمان – الأردن

9/1/2022

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

احبك دائما... محمد علي الهاني

فاتنتي الحبيبة... عصام الصامت

ناجرات اضواء المدينه...بقلم ناصر همام